أبي منصور الماتريدي

294

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

سَبِيلِ اللَّهِ [ المائدة : 54 ] ؛ وذلك لأن الجهاد فرض على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة ، ولم يوجد منهم الضرب في الأرض في حال كونهم بمكة ، وفي هذا إخبار عن جهاد طائفة ، وعن ضرب بعض في الأرض ؛ فثبت أن نزول هذه الآيات كانت بالمدينة . واحتجوا - أيضا - بقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ، قالوا : إن الزكاة إنما فرضت عليهم بعد ما هاجروا إلى المدينة ، وفي هذا أمر بإيتاء الزكاة ؛ فثبت أن نزولها كان بالمدينة ، وأما أول السورة فهي في موضع المحاجة على أهل الشرك ، ولم يكن بالمدينة مشرك ؛ بل كانوا أهل كتاب . ومن ذكر أنها كلها مكية ، فهو يحمل قوله : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ على الوعد والبشارة ، ليس على الإيجاب والوجوب ؛ ألا ترى إلى قوله - عزّ وجل - : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى ، فأخبر أنه سيكون منكم مرضى ، لا أن كانوا مرضى في ذلك الوقت ؛ فلم يكن فيما ذكر دلالة كونها مدنية . ثم الآية إن كانت على الوعد ؛ ففيه أنهم كانوا في ضيق من العيش ، وكانوا من القوم في خوف ؛ فيكون فيه بشارة أنه يرفع عنهم الضيق بما يضربون في الأرض ، ويوسع عليهم العيش ، وأنه يفتح لهم الفتوح ، ويكثر أنصارهم حتى يقهروا العدو ، ويقع لهم من ناحيتهم الأمن ، وقد آل الأمر إلى ما بشروا به ، فيه ] « 1 » آية رسالته - عليه السلام - إذ أخبرهم عن علم الغيب ، وكان الأمر على ما أخبر . ثم قوله - عزّ وجل - : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى في موضع الاعتلال ، أنه إنما خفف عليهم الأمر بما ذكر من الأعذار من المرض ، والضرب في الأرض ، والمجاهدة في سبيل الله تعالى ، والتخفيف إذا وجب لعذر مما لم يلاق العذر حالة الفعل ، لم يخفف ؛ فكيف خفف عنهم قبل وقوع الأعذار ، ولكن هذه الأعذار وإن تحققت [ هي لا تلاقي الفعل ] « 2 » ؛ بل تتقدمه ؛ لأن المجاهدة تكون بالنهار « 3 » ، لا بالليل ، وكذلك الضرب في الأرض وقت النهار لا الليل ، والقيام كان بالليل ليس بالنهار ، ثم قد وضع عنهم قيام الليل وإن لم يكن العذر ملاقيا للقيام ؛ فعلى ذلك جائز أن يرفع عنهم القيام بالليل وإن لم يأت بعد وقت المجاهدة ، ولا كان الضرب موجودا ؛ إذ ليس في ذلك كله إلا عدم ملاقاة العذر حالة القيام .

--> ( 1 ) من أول قوله : « الفعل ، بل تطابقه » إلى هنا سقط في ب . ( 2 ) في ب : وهي تلاقي الفعل . ( 3 ) زاد في ب : و .